إعادة ‬البناء ‬والاستبصار
 يُوضح الاستبصار، غالبًا، من خلال مفهوم إعادة البناء (Ohlsson, 1984a, 1984b). ويحدث ذلك عندما لا يفهم الشخص شيئًا معينًا في بداية الأمر لأنه يعتمد على تمثيل واحد للمشكلة، ثم يغير الشخص ذلك التمثيل -أو يعيد بناءه- بحيث يأخذ في الحسبان المعلومات الجديدة ويسمح بفهم أفضل واستبصار أعمق. (التمثيلات هي مرادفات معرفية للفهم. فنقول، مثلاً، إن المعلومات أو الخبرات تمثّل في العقل، فتتكون لدى الشخص تمثيلات معينة). افرض أنك بنيت نموذجًا لشيء ما من ألعاب معدنية قديمة. قد يكون نموذجك خريطة من نوع ما، أو قد يمثل شيئًا فعليًا، ثم افرض أنك اكتشفت معلومات جديدة عن الخريطة التي رسمتها أو الشيء الذي مثلته، قد تحذف بعض القطع المعدنية أو تضيف أخرى، ولا تكون مضطرًا للبدء من نقطة الصفر، وغالبًا ما تكون عملية إعادة البناء سريعة جدًا، ومن المحتمل حدوث تغيرات سريعة ولكنها جذرية، فقد تكون قد بنيت نموذجًا لمبنى مرتفع، لكنك قررت أن يكون أكثر ارتفاعًا، فتضيف أرجلاً طويلة للنموذج، قد يتطلب ذلك عملاً بسيطًا، لكن النتيجة تكون مختلفة جذريًا، فقد يتضاعف ارتفاع المبنى، مثلاً. إن إعادة التنظيم تشبه إلى حد ما تغيير هذا النموذج، وتؤدي التغيرات السريعة أحيانًا إلى تمثيل مختلف اختلافًا شديدًا، أي أنها تؤدي إلى الاستبصار.‬‬‬‬
 
وفكرة إعادة التنظيم ذات تاريخ طويل. ويرتبط هذا المفهوم عادة بنظرية الجشتالت (Gestalt). والجشتالت في جوهره هو النتيجة، إنه الكل ذو المعنى، كما في حالة الفهم الكلّي المكتمل، وقد استعمل علم النفس الجشتالتي لوصف العملية الإدراكية، وتتلخص فكرته الرئيسة في ميل الناس إلى تكوين معنى لخبراتهم وغالبًا ما يستطيعون بناء المعنى من معلومات جزئية، فقد نرى مجموعة من النجوم، مثلاً، فنضفي عليها معنى معينًا, كأن نقول إننا نرى دبًا أو إنسانًا، أو الدب (الأكبر أو الأصغر!). 
 
تفسر فوائد الخبرة عادة بدلالة المعرفة، إذ يطور الخبراء قواعد ضخمة من المعرفة، ويكون معظمها معرفة خاصة بمجال معين، ولكن الأهم من ذلك هو العدد الكبير من الترابطات الداخلية التي يطورونها بين عناصر هذه المعرفة، وتفعل المعرفة الخاصة بالمجال المعين، على ما يبدو، بشكل تلقائي في أثناء حل المشكلات المتعلقة بهذا المجال، وتكون معرفة الخبراء في الغالب أكثر تنظيمًا من معرفة المبتدئين، حيث ينظمونها هرميًا فتكون المعرفة المحسوسة في أسفل الهرم والمعرفة المجردة في أعلاه.
 
تذكر أن خصائص معرفة الخبراء تتعلق بمجال بعينه، فالخبراء يميلون إلى التفوق على المبتدئين في داخل مجالهم فقط وليس خارجه.
 
يفترض الخبراء في الغالب، مسلمات معينة لأنهم يعرفون أمورًا كثيرة وهذا من شأنه أن يعيق التفكير الإبداعي والأصيل. ولهذا السبب اقترح "بياجيه" 
(Piaget) (Gruber, 1996) و"سكنر" (Skinner, 1956) أن من الحكمة أن يقرأ الإنسان نصوصًا خارج نطاق تخصصه، لأن هذا النوع من القراءة يزود الفرد بمنظور جديد لتخصصه أو مجاله ويساعد الخبير على تجنب الإشباع أو الجمود الذي قد ينشأ من زيادة المعرفة والخبرة (Martinsen, 1995).
 
إن التحرك من مجال التخصص إلى مجال آخر يولّد نوعًا من الهامشية المهنية، وقد فعل كثير من المبدعين المشهورين ذلك عمدًا، فقد فعله "بياجيه" حيث استفاد من علم البيولوجيا في أعماله حول النمو المعرفي، واعتمد " فرويد" اعتمادًا كبيرًا على علم وظائف الأعضاء في تطوير نظريته في التحليل النفسي. ودرس "دارون" علم الجيولوجيا ولكنه استفاد منه في تطوير نظريته في البيولوجيا التطورية.
 
لقد أوضح كل من "مارتنسين" (Martinsen, 1995) و"ايبستاين" (Epstein,1990) أن الخبرات والمعلومات الخاصة إمّا أن تساعد التفكير الاستبصاري أو تعيقه. وتشير بحوث "مارتنسين" في هذا المجال، إلى أنه يوجد لكثيرين منا مستوى ملائم من المعلومات يمكن أن يساعدنا على التفكير الإبداعي، ولكن يصبح تفكيرنا، عند تجاوز هذا المستوى، أقل استبصارًا.
 
 
 
 
 
 
المصدر:
 
أخر تحديث : الأربعاء - 07/08/1438
434عدد المشاهدات